أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

52

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يقصد هذا العموم الذي هنا ، فجيء في كلّ مكان بما يناسبه . قوله : « مِنَ النَّاسِ » : إمّا بيان وإمّا للتبعيض ، وكلاهما معلوم أنهم من الناس ، فهو جار مجرى التأكيد . وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن بفتح الباء : « حَبِطَتْ » وهي لغة معروفة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 23 إلى 25 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 ) قوله تعالى : يُدْعَوْنَ في محلّ نصب على الحال من « الَّذِينَ أُوتُوا » . وقوله « لِيَحْكُمَ » متعلق بيدعون . وقوله : « ثُمَّ يَتَوَلَّى » عطف على « يُدْعَوْنَ » و « مِنْهُمْ » صفة لفريق . وقوله : « وَهُمْ مُعْرِضُونَ » يجوز أن تكون صفة معطوفة على الصفة قبلها فتكون الواو عاطفة ، وأن تكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المستتر في « مِنْهُمْ » لوقوعه صفة فتكون الواو للحال ، « ويجوز أن تكون حالا من « فَرِيقٌ » وجاز ذلك وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف قبله » وإذا كانت حالا فيجوز أن تكون مؤكدة ، لأنّ التولّي والإعراض بمعنى ، ويجوز أن تكون مبيّنة لاختلاف متعلّقهما ، قالوا : لأنّ التولّي عن الداعي ، والإعراض عمّا دعي إليه . ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة لا محلّ لها أخبر عنهم بذلك . وقرأ الحسن وأبو جعفر والجحدري « لِيَحْكُمَ » مبنيا للمفعول والقائم مقام الفاعل هو الظرف ، أي : ليقع الحكم بينهم . قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ : يجوز في « ذلِكَ » وجهان : أصحّهما : أنه مبتدأ والجارّ بعده خبره ، أي : ذلك التولّي بسبب هذه الأقوال الباطلة التي لا حقيقة لها . والثاني : أن « ذلِكَ » خبر مبتدإ محذوف أي : الأمر ذلك ، وهو قول الزجاج . وعلى هذا فقوله : « بِأَنَّهُمْ » متعلق بذلك المقدّر ، وهو الأمر ونحوه . وقال أبو البقاء : « فعلى هذا يكون قوله : « بِأَنَّهُمْ » في موضع نصب على الحال ممّا في « ذا » من معنى الإشارة أي : ذلك الأمر مستحقا بقولهم » ، ثم قال : « وهذا ضعيف » . قلت : بل لا يجوز البتة . وجاء هنا « مَعْدُوداتٍ » بصيغة الجمع ، وفي البقرة « 1 » : « مَعْدُودَةً » تفنّنا في البلاغة ، وذلك أنّ جمع التكسير غير العاقل يجوز أن يعامل معاملة الوحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى ، فيقال : « هذه جبال راسية » وإن شئت « راسيات » ، و « جمال ماشية » وإن شئت : « ماشيات » . وخصّ الجمع بهذا الموضع لأنه مكان تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا ، فأتى بلفظ الجمع مبالغة في زجرهم وزجر من يعمل بعملهم . قوله : وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ الغرور : الخداع ، يقال منه : غرّة يغرّه غرورا فهو غارّ ومغرور ، والغرور - بالفتح -

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 80 ) .